تابع شرح قانون الايمان ج4
تابع شرح قانون الايمان ج4
للقديس كيرلس الكبير
31.ولكن لو أنه كان إنساناً وقد كُرِّمَ كإله بسبب اتصاله بالله، لكان النبي دانيال قد قال إنه رأى واحداً آتياً على السحب كما لو كان إلهاً أو كما لو كان ابن الله. ولكنه لم يقل هذا بل بالحري قال "مثل ابن الإنسان". لذلك عرف أن الابن هو إله وقد تأنس، أي أنه صار "في شبه الناس" كما قال بولس. ورغم أنه ظهر في الجسد، "جاء إلى القديم الأيام" (أنظر دا 13: 7،14)، أي أنه صعد على عرش أبيه الأزلي "وأُعطي الكرامة والملكوت، وسوف تتعبد له كل الأجناس والألسنة". وهذا هو نفس ما قاله هو: "أيها الآب مجدني بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (يو 5: 17). وكون كلمة الله المتجسد يجلس معه (مع الله) وإنه مساو لله الآب في المجد، ورغم أنه (جاء) بالجسد، فهو ابن واحد حتى حينما صار إنساناً، هذا ما يوضحه بولس الحكيم جداً حينما يكتب: "لنا رئيس كهنة مثل هذا قد جلس في يمين عرش العظمة في الأعالي" (عب 1: 8). وفي الحقيقة، فإن ربنا يسوع المسيح نفسه، حينما سأله اليهود إن كان حقاً هو نفسه المسيح، أجاب: "إن قلت لكم لا تصدقون وإن سألت لا تجيبونني.. ومنذ الآن يكون ابن الإنسان جالساً عن يمين قوة الله" (لو 67: 22-69). وهكذا أيضا فإن خورس الأنبياء القديسين رأى الابن متأنساً على عرش الألوهية.
32.هلم بنا لنرى أيضا كارزي العهد الجديد، الذين هم معلموا أسرار الإيمان لكل الذين تحت الشمس، والذين قال المسيح نفسه لهم: "لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم" (مت 20: 10). ولذلك سوف نجد المعمدان الموحى له يقول: "يأتي بعدي رجل صار قدامي لأنه كان قبلي" (يو 30: 1) ولكن كيف يكون قبل المعمدان وهو قد جاء بعده؟ ألا يكون واضحاً للجميع أن المسيح كان بعد يوحنا بحسب زمن الجسد؟ لذلك، فبماذا يُجاب على هذه الأسئلة؟ لقد أعطانا المخلص الجواب عن ما نسأل عنه، لأنه قال حينما كان يتكلم إلى اليهود "الحق الحق أقول لكم قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن" (يو 58: 8). لأنه كان قبل إبراهيم من جهة ألوهيته ولكنه عُرِفَ بعد إبراهيم حينما ظهر كإنسان. وحيث الله الآب أعلن بوضوح قائلاً: "مجدي سوف لا أعطيه لآخر" (إش 8: 42)، لأنه "ليس إله آخر غيره" (إش 5: 45) لذلك قال لنا المسيح: "عندما يأتي ابن الإنسان بمجد أبيه مع الملائكة القديسين" (مز 38: 8). وحيث إننا ننتظر نزول ابن الإنسان من السماء، كما كتب أيضا بولس الحكيم جداًك "لأنه قد ظهرت نعمة الله المُخلصة لجميع الناس معلمة إيانا أن ننكر الفجور والشهوات العالمية ونعيش بالتعقل والبر والتقوى في العالم الحاضر منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد إلهنا ومخلصنا العظيم يسوع المسيح" (تي 11: 2-13). وفي موضع يقول حينما يتحدث عن أولئك الذين من دم إسرائيل: "الذين لهم المواعيد والاشتراع والعهد، ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد" (رو 5: 9).
33.وتبعاً لذلك، إذ نقتفي آثار اعتراف الآباء بدون انحراف، نقول إن كلمة الله الآب نفسه الذي هو الابن الوحيد المولود منه، تجسد وتأنس، وتألم، ومات، وقام من بين الأموات في اليوم الثالث. وكلمة الله يُعترف به أنه غير قابل للألم من جهة طبيعته الخاصة -الإلهية-. ولا أحد فقد صوابه فيظن أن الطبيعة التي هي فوق كل الأشياء يمكن أن تكون قابلة للألم. ولكنه بسبب أنه صار إنساناً وجعل الجسد الذي من العذراء القديسة خاصاً به، لهذا السبب فنحن نؤكد بثبات تابعين كلمات التدبير أن ذاك الذي هو غير قابل للتألم كإله، تألم في جسده الخاص إنسانياً. وإذ هو الله الذي صار إنساناً، فهو لم يكف مطلقاً عن أن يكون إلهاً. وإن كان قد صار خليقة فهو أيضا قد ظل فوق الخليقة. وإن كان واضع الناموس فقد صار تحت الناموس وظل مع ذلك واضع الناموس. وإن كان هو السيد حسب ألوهيته فقد لبس "صورة عبد" (في 7: 2) ومع ذلك فلا يزال له مقام السيد الذي لا يقبل الفقدان. وإن كان هو الابن الوحيد وقد صار "البكر بين إخوة كثيرين" (رو 30: 8) فهو يظل مع ذلك الابن الوحيد. فما هي الغرابة إن كان رغم تألمه في الجسد بحسب إنسانيته فهو يُعرف أنه غير متألم بحسب ألوهيته؟ وهذا ما يقوله بولس الحكيم جداً، إن الكلمة نفسه الذي هو "في صورة الله" (في 6: 2). ومساو لله الآب، "أطاع حتى الموت موت الصليب" (في 8: 2).
34.وفي رسالة أخرى من رسالة يقول عنه: "الذي هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقة، فإن فيه خُلق الكل ما في السموات وما على الأرض ما يُرى وما لا يُرى، سواء كان عروشاً أم سيادات أم رياسات أم سلاطين، الكل به وله قد خُلق، الذي هو قبل كل شيء وفيه يقوم الكل" (كو 20: 15)، "والبكر من أموات" (كو 18: 1). ومع ذلك فكلمة الله الآب هو الحياة ومعطي الحياة، حيث إنه ولد من الحياة أي من ذلك الذي ولده. فكيف إذاً صار البكر من الأموات وبداْة الراقدين؟ فهو جعل الجسد القابل للموت خاصاً به. وكما يقول بولس الحكيم جداً فإنه "ذاق الموت لأجل كل واحد" (عب 9: 2) في جسده الذي كان قادراً أن يتألم دون أن يكف هو عن أن يكون الحياة. لذلك حتى إن كان يُقال إنه تألم في جسده فهو لم يقبل الآلام في طبيعة ألوهيته، وهكذا فإن إشعياء النبي المبارك، إذ عرف الله المتأنس المتألم بالجسد، يقول عنه "كخروف سيق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها. في تواضعه رُفعت عنه الدينونة. من يخبر بجيله لأن حياته رُفعت من الأرض" (إش 7: 53،8س).
35.ولكن إن كان هو إنساناً ما، وقد اعتبر ابناً على حدة متصلاً بالله – كما يدعي المدافعون عن العقائد المضادة للتقوى فكيف يكون من الصعب أن نجد إنساناً يستطيع أن يخبر بجيله؟ فقد ولد من نسل يسى وداود (إش 1: 11). ولكن من هو الذي يستطيع أن يخبر بميلاده كلمة الله أي كيفية ميلاده؟ فإن "حياته رفعت من الأرض"، أي وجوده، لأنه قد بذل حياته وليس وجوده. فقد رُفع عالياً وصار فوق جميع الذين على وصار فوق جميع الذين على الأرض (أنظر أف 8: 4-10). لأن الكلام عن تلك الطبيعة الفائقة أمر يفوق الفهم وليس في متناول عقول البشر.
وأضيف أيضا هذه الكلمات لما سبق وقلته "ربٌ واحدٌ، إيمانٌ واحدٌ، معمودية واحدة" كما يقول بولس المقدس جداً (أف 5: 4). لذلك إذ أن هناك رب واحد وإيمان واحد ومعمودية واحدة، فمن هو الرب ومن هو ذاك الذي آمنا به واعتمدنا باسمه؟ ولكن ربما يقول أحد إنه من المناسب تماماً أن تتحقق الربوبية والإيمان الذي لنا، والمعمودية المخلِّصة؛ في الكلمة الذي هو من الله الآب. ولهذا أوصى رسله القديسين قائلاً: "أذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (مت 18: 28،19).
36.وبولس الموحى إليه يوضّح مجد ربوبيته والاعتراف بالإيمان وقوة المعمودية المقدسة بقوله "لا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء أي ليحدر المسيح، أو من يهبط إلى الهاوية ليُصعد المسيح من الأموات، وكلن ماذا يقول الكتاب؟ الكلمة قريبة منك، في فمك وفي قلبك.. لذلك إن اعترفت أن يسوع رب، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الموت، فسوف تخلص" (رو 6: 10-9).
تعليقات