شرح قانون الايمان ج3 للقديس كيرلس الكبير


شرح قانون الايمان ج3 للقديس كيرلس الكبير
21.لأن الكلمة الذي هو الله أخذ جسدنا ومع ذلك فقد بقى إلهاً ولهذا السبب يقول بولس المقدس جداً أنه صار في شبه الناس ووُجد في الهيئة كإنسان، لأنه كان الله -- كما قلت -- في شكلنا البشري مماثلاً لنا، ولم يأخذ جسد بلا نفس كما ظن بعض الهراطقة بل بالحري جداً تحييه نفس عاقلة. لذلك قال الآباء إن الكلمة الذي خرج من جوهر الآب، الابن الوحيد الجنس، الإله الحق من الإله الحق، النور من النور، الذي به خُلقت كل الأشياء، نزل وتجسد وتأنس، أي أنه احتمل الولادة بحسب الجسد من امرأة وجاء في شكلنا، وهذا هو معنى أنه تأنس.
22.لذلك يوجد رب واحد يسوع المسيح هو بذاته الكلمة الوحيد الجنس للآب، الذي صار إنساناً وهو لم يَتَخلَّ عن ما كان عليه لأنه بقى إلهاً في بشريته، والسيد في صورة عبد، محتفظاً بملء ألوهيته في إخلائه ليكون مثلنا. وهو رب القوة في ضعف الجسد، وفى قياس (قامة) بشريته كان يملك ما هو فوق كل الخليقة خاصاً به. لأن ما كان عليه قبل الجسد كان خاصاً به ولا يمكن أن يُفقد، لأنه كان إلهاً، وهو الابن الحقيقي، والوحيد الجنس، والنور، والحياة، والقوة أما ما لم يكن عليه فإنه يُرى أنه قد أخذه مضافاً من أجل التدبير (التجسد)، لأنه جعل ما يخص الجسد خاصاً به، لأن الجسد لم يكن جسد شخص آخر غيره بل بالحري جسده متحداً به بطريقة تفوق الوصف والتعبير. ولذلك يقول يوحنا الحكيم: "الكلمة صار جسداً" (يو 14: 1). وهو صار جسداً لا لأنه تغير إلى طبيعة الجسد بانتقال أو تحول أو تغير، ولا لأنه تعرض لاختلاط أو امتزاج في الجواهر كما ثرثر بعض الناس، لأن هذا مستحيل، إذ هو بالطبيعة غير متغير ولا متحول كما قلت، بل بالحري أخذ جسداً تحييه نفسّ عاقلة من جسد عذراوي غير دنس، وجعله جسده الخاص.
23.ولكنه من عادة الكتاب الموحى به أن يشير إلى الإنسان كله بكلمة "جسد" فقط لأنه يقول "سأسكب من روحي على كل جسد" (يؤ 28: 2س). فإن الله لم يُعط وعداً بأنه سيرسل روحه على جسد بدون نفس عاقلة تحييه، بل بالحري إلى الإنسان المركب من نفس وجسد. لذلك صار الكلمة إنساناً دون أن يكف عن أن يكون ما كان عليه، ولكنه بقى هو الكلمة حتى حينما ظهر في شكلنا.
24.فالمسيح لم يُعرف أنه إنسان أولاً وبعد ذلك تقدم ليصير إلهاً، بل إن الكلمة، إذ هو الله، صار إنساناً، لكى في نفس الكيان يُعرف هو نفسه الإله والإنسان معاً. إلاّ أن أولئك الذين يقسمونه إلى ابنين ويجسرون أن يقولوا أن الله الكلمة اتصل بالإنسان الذي من نسل داود وأعطاه نصيباً في استحقاق وفي كرامة وفي رتبة البنوة، وأعده ليحتمل الصليب، وليموت، ويقوم ثانية، ويصعد إلى السماء، ويجلس عن يمين الآب، لكي يُعَبد من كل الخليقة، وينال الكرامات بواسطة ارتباطه بالله. هؤلاء أولاً يكرزون بابنين، وثانياً بجهل يقلبون معنى السر. لأنه، كما قلت، إن المسيح لم يصر إلهاً من إنسان بل إذ كان الكلمة هو الله فإنه صار جسداً أي إنساناً.
25.وقيل عنه أنه أخلى نفسه، حيث إنه قبل الإخلاء كان له الملء بطبيعته الخاصة، كما هو معروف أنه إله. فهو لم يرتفع إلى الملء كواحد من الخليقة التي كانت فارغة بل بالحري وضع نفسه في الأعالي الإلهية ومن المجد الذي لا يُنطق به، وهو لم يكن إنساناً متواضعاً ثم رُفع بتمجيده. بل هو الحر أخذ صورة عبد، فهو لم يكن عبداً ارتفع إلى مجد الحرية. وهو الذي إذ كان في صورة الآب ومساوياً له صار في شبه الناس. ولم يكن إنساناً اغتنى باشتراكه في مشابهة الله. فلماذا إذن يقلبون كلام التدبير ويزيفون الحقيقة ويحاربون جميع الكتب الموحى بها التي تعترف أنه هو الله، وبعد أن صار الابن إنساناً تسميه في كل موضع، الابن الوحيد؟
26.ولذلك كتب موسى في سفر التكوين، أن يعقوب الإلهي أرسل أولاده عبر مخاضة (يتبوق) وبقي هو وحده وصارعه إنسان حتى مطلع الفجر. ودعا يعقوب اسم ذلك المكان "مرأى الله" لأنه قال رأيت الله وجهاً لوجه ونجِّيت نفسي" "وأشرقت له الشمس إذ عبر "مرأى الله" وكان يعرج من فخذه" (تك 31: 32-32). فبواسطة البطريرك (يعقوب) سبق الله فاخبر أن كلمته الوحيد الجنس سوف يصير إنساناً في الوقت المعين وأن إسرائيل سوف يقاومه، ولن يتصرف الإسرائيليون باستقامة من جهته ولكن كما لو سيكون أعرجاً كما يقول الله في نغم المزمور: "الأبناء الغرباء كذبوا عليَّ. الأبناء الغرباء قد شاخوا وخرجوا من طرقهم يعرجون" (مز 45: 17-46س). وأظن أن هذا هو معنى أن يعقوب كان يعرج من فخذه. ولكن لاحظوا هذا: فبرغم أن إنساناً كان يصارع معه، فقد قال أنه رأى الله وجهاً لوجه ودعا (ما رآه) "مرأى الله".
27.لأن الابن بقى (كما هو) كلمة الله رغم أنه صار إنساناً، لكونه (أيضا) غير قابل للتغير على الإطلاق. ولذلك قال لفليبس مُظهراً نفسه أنه "رسم أقنوم" الآب (أنظر عب 3: 1) وهو في الجسد (بقوله): "من رآني فقد رأى الآب" (يو 9: 14). ولكن حينما شُفى الرجل الأعمى منذ ولادته، ولما قال له "أتؤمن بابن الله" فأجاب وقال "من هو يا سيد لأؤمن به؟ فقال له يسوع "قد رأيته والذي يتكلم معك هو هو" (يو35: 9-38). فالرجل الأعمى لم يره غير محجوب أي بدون الجسد بل بالحري في الهيئة مثلنا. وآمن بذلك الذي رآه لا كابن متصل بابن آخر بل (آمن) بمن هو حقاً بالطبيعة ليس بدون جسد، وهو الذي أشرق بنوره (للناس) الذين على الأرض.ويقول موسى الموحى إليه من الله في كلمات البركة "أعطوا للاوي إعلانه (تميمه) وللرجل القديس حقيقته (اوريمه) الذي جربوه في التجربة (مسة) وخاصموه على ماء الإسخاط (مريبة). وقال لأبيه ولأمه "أنا لم أبصركما"، ولم يعترف باخوته" (أنظر تث 8: 33،9س).
28.لأن إله الكل قد رتب ثوباً حتى القدمين لهارون، منسوجاً بدقة، وكان هذا الثوب لرئاسة الكهنوت فقط وخاصاً بها. وعلى صدرة رئيس الكهنة عُلقت حجارة معينة عددها اثنا عشر حجراً، وفى وسطها وُضع حجران آخران هما: الإعلان (تميم) والحقيقة (أوريم). وبواسطة لغز هذه الحجارة توجد إشارة واضحة إلى خورس الرسل القديسين كما لو كانوا في دائرة حول عمانوئيل الذي هو "الإعلان"، و"الحقيقة"، لأنه أعلن الحقيقة بأن أبطل عبادة الله من خلال الظلال والأمثلة وكيف يمكن أن يكون هناك شك أن كلمة الله الوحيد الجنس قد صار رئيس كهنتنا عندما صار إنساناً، لأن بولس الموحى له من الله كتب كما يلي: "لاحظوا رسول ورئيس كهنة اعترافنا، يسوع، حال كونه أميناً للذي أقامه" (عب 1: 3،2)، لأن كرامة الكهنوت ستُعرف بصواب أنهم ملائمة لمقاييس بشريته، وهي بالطبع، من ناحية أقل من طبيعة كلمة الله ومجده، ولكنها من ناحية أخرى تتفق مع تدبير الجسد، لأن الأمور البشرية قد صارت خاصة به. وتبعاً لذلك يقول: "أعطوا للوي -- أي الكاهن -- الإعلان والحقيقة" (أنظر تث 8: 33س). ولأية نوعية من لاوي -- أي الكاهن -- قال حينما ذكر بوضوح: "وللرجل القديس حقيقته"، لأن ربنا يسوع المسيح لم يفعل خطية؟ (أنظر 1بط 22: 2)، ولذلك يكتب بولس عنه: "لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات" (عب 26: 7). لأنهم "جربوه في التجربة وخاصموه على ماء الإسخاط (مريبه)" (أنظر تث 8: 33).
29.يا للأمر العجيب! فهو يقول إنه إنسان ولكنه يعلن مباشرة أن الذي أسخطه إسرائيل وجربه في البرية على ماء الإسخاط، هو هو الله، ويشهد المرنم قائلاً: "شق صخرة في البرية، وأعطاهم ليشربوا كأنه من لجج عظيمة وأخرج ماء من صخرة وأجرى مياهاً كالأنهار" (مز 15: 77،16). وماذا بعد هذا؟ يقول: "جربوه في قلوبهم" وافتروا على الله قائلين: "هل يقدر أن يهيئ مائدة في البرية، لأنه ضرب صخرة فجرت المياه وفاضت الأودية؟، هل يقدر أيضا أن يعطي خبزاً أو يهيئ مائدة لشعبه؟" (مز 18: 77-20س). لذلك تدر كيف تبجحوا على الله الذي صنع المعجزات وهو الذي يقول موسى عنه إنه إنسان. وقد أدر بولس الموحى إليه ذلك أيضا فكتب: "وكانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم والصخرة كانت المسيح" (1كو 4: 10).
لذلك فالإنسان الذي خاصموه، كان هو الذي جُرب من الذين هم من إسرائيل ولم يكن قد تجسد بعد. لأن موسى قد أكد بدليل آخر أن الذي كان قبل أن "يصير جسداً" لم يكن ابناً آخر، والذي من نسل داود لم يكن أبناً آخر غيره كما يتجاسر البعض أن يقولوا. ولكنه هو واحد وهو نفسه الكلمة الذي كان عارياً (من الجسد) قبل تجسده. وهو الذي تجسد وتأنس بالميلاد من العذراء القديسة كما كتب الآباء القديسون المُلهمون من الله.
30.لأنه كما لو أن واحداً كان يسأل ويرغب أن يعرف عن أي إنسان كان يتكلم، والذي يقول عنه إنه قد جربه وخاصمه أولئك الذين من إسرائيل، وهو بمد يده يشير إي يسوع ويقول: "الذي قال لأبيه ولأمه أنا لم أبصركما، ولم يعترف بأخوته" (تث 9: 33). وهذا يذكرنا بما كتبه أحد البشيرين القديسين حينما كان المسيح يعلم ويرشد بعض الناس وجاءت أمه وإخوته وحينئذ ركض إليه واحد من التلاميذ وقال "أمك وأخوتك واقفون خارجاً ويريدون أن يروك" (لو 20: 8). وهو بعد أن مد يده وأشار إلى تلاميذه قال: "أمي وأخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها" (لو 21: 8)، "لأن كل من يصنع مشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأختي وأمي" (مت 50: 12). وهذا ما أعتقد أنه هو نفس ما قاله موسى: "الذي قال لأبيه ولأمه أنا لم أبصركما، ولم يعترف بأخوته". ودانيال الحكيم جداً يقول أيضاً إنه رأى كلمة الله الوحيد الجنس في هيئتنا لأنه يقول إنه قد رأى القديم الأيام جالساً على عرش وربوات ربوات وقوف قدامه وألوف ألوف يخدمونه. وبعد عدة عبارات أضاف دانيال: "كنت أرى في رؤيا الليل مثل ابن إنسان آتياً على سحب السماء، وحينما جاء إلى القديم الأيام وقربوه قدامه أُعَطِىَ كرامة وملكوتاً وسوف تتعبد له كل الأجناس والألسنة" (دا 13: 7،14س).انظروا هنا عمانوئيل يرى بوضوح وجلاء صاعداً إلى الله الآب في السموات. لأن "سحابة أخذته" (أع 9: 1) ذلك الذي يقول عنه إنه ليس مجرد إنسان بل "مثل ابن إنسان". لأن الكلمة الذي صار في هيئتنا كان هو الله. وبهذا الفهم يقول بولس الحكيم إنه "صار في شبه الناس" (في 7: 2) وإنه "وُجد في الهيئة كإنسان" (في 8: 2) وإنه ظهر للذين على الأرض "في شبه جسد الخطية" (رو 3: 8).

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العقيدة والايمان

هل عيد الميلاد 25 ديسمبر أم 7 يناير؟