شرح قانون الإيمان ج2 للقديس كيرلس الكبير


شرح قانون الإيمان ج2 للقديس كيرلس الكبير
الإيمان بوحدانية الله:
11.قال الآباء إنهم يؤمنون بإله واحد، لأنهم كما لو كانوا يهدمون آراء اليونانيين من أساساتها: "وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء. وأبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات" (رو 22: 1،23). "وعبدوا المخلوق دون الخالق" (رو 25: 1). وصاروا عبيداً لأركان العالم ظانين أنها آلهة كثيرة بلا عدد. لذلك فلكي يهدموا ضلالة تعدد الآلهة قال الآباء بإله واحد تابعين الكتب المقدسة من كل جهة ومظهرين جمال الحق لكل إنسان يُسمى تحت الشمس. وهذا ما فعله موسى الحكيم جداً أيضا قائلاً بكل وضوح "أسمع يا إسرائيل الرب إلهك رب واحد" (تث 4: 6). وأيضا خالق الكل وربهم يقول في موضع آخر "لا يكون لك آلهة أخرى أمامي" (خر 3: 20). وأيضا يتكلم بصوت الأنبياء القديسين: "أنا الأول وأنا الأخر ولا إله غيري" (إش 6: 44). لذلك فالآباء الممجدون جداً فعلوا أمراً ممتازاً إذ وضعوا قاعدة للإيمان بضرورة أن نفكر ونقول إن الله واحد متفّرد بالطبيعة وبالحق، ومن ثم أعلنوا أنهم يؤمنون بإله واحد.
الله الآب:
12.وأيضا لقبوه بالآب ضابط الكل لكي بذكرهم الآب يظهرون الابن معه الذي به هو أب (وهو أي الابن) قائم معه وكائن معه دائما. لأن الآب لم يصر أباً في زمن، بل كان دائماً ما كأنه أي أباً. وهو كائن دائماً فوق كل ما هو مخلوق وهو في أعلي الأعالي. ولأنه يضبط ويسود رباً علي الكل فهذا يجعل له مجداً لامعاً لا يُقارن.
الله خالق:
13.وأيضا يؤكد الآباء أنه خلق كل الأشياء التي في السموات والتي علي الأرض وهكذا يكون اختلافه عن كل الخليقة أمراً معروفاً. لأنه لا يمكن المقارنة بين الخالق والمخلوق، ولا بين غير الحادث و الحادث، ولا بين الطبيعة الخاضعة لنير العبودية والطبيعة المزدانة بكرامات السيادة والمالكة لمجد إلهي لا يوصف وأعلي من مجد العالم.
يسوع المسيح الابن، إله من إله:
14.ولكن عندما تكلموا عن الابن، ولكي لا يظهر أنهم ينسبون إليه اسماً مشتركاً مثل الاسم الذي يمكن أن يُنسب إلينا نحن أنفسنا -- لأننا نحن ندعي أيضا أبناء (غلا 6: 4) -- فبكل فطنة وصفوة بتلك الأسماء التي بواسطتها يمكن أن يُدرك لمعان المجد الطبيعي الذي فيه، والذي هو أعلا من الخليقة. لأنهم قالوا أنه "مولود غير مخلوق" مدركين أنه من جهة الجوهر لا يُصَّنف مع المخلوقات، بل بالحري أكدوا بيقين أنه مولود من جوهر الله الآب خلّواً من زمن وبطريقة تفوق الإدراك لأنه "في البدء كان الكلمة" (يو 1: 1).
ثم حينما يذكرون حقيقة الولادة بطريقة جيدة جدا (لنشرح هذه الحقيقة علي مستوي إنساني لأجل المنفعة)، فإنهم يقولون إن الله الابن مولود من الله. لأنه حيثما تكون ولادة حقيقية فيلزم من كل جهة تبعاً لذلك، أن نفكر وأن نقول إن المولود ليس من جوهر آخر غير جوهر الوالد بل هو من نفس جوهر الذي ولده لأنه يناسب ويلائم منطقياً كونه من هذا الجوهر.
15.فغير الجسداني لا يلد بحسب الجسد بل بالحري بهذه الطريقة، أعني مثل (ولادة) النور من النور، حتى أن النور الذي أشع يُعرف أنه في النور الذي أومض، وأنه منه بحسب الصدور الذي لا يُنطبق به ولا يُعبّر عنه وأنه فيه بحسب وحدة الطبيعة وتطابقها. وهكذا نحن نقول: إن الابن في الآب، والآب في الابن. فالابن يرسم في طبيعته الخاصة ومجده، ذلك الذي ولده. وقد قال بوضوح لواحد من تلاميذه القديسين وهو فيلبس "ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب فيَّ. الذي رآني فقد رأى الآب" (يو 9: 14،10). وقال أيضاً "أنا والآب واحد" (يو 30: 10). وتبعاً لذلك فهو من نفس الجوهر مع الآب. وهكذا أيضا فإننا نؤمن أنه إله حق وُلد من إله حق.
16.وإننا سنجد أن اسم الولادة يُطلق أيضا علي المخلوقات وأعني ما قاله الله عن الذين من دم إسرائيل: "ولدتُ بنين ونشأتهم.." (إش 2: 1س). إلا أن الخليقة تكتسب هذه الدعوة في نظام النعمة. أما في حالة الذي هو ابنه بالطبيعة فإن هذا الاسم (الولادة) لا يُستعمل علي سبيل المجاز، بل هو حقيقي من كل جهة. وبسبب هذا فهو وحده بين الكل الذي قال "أنا هو الحق" (يو 6: 14). وهكذا فإن كل أحد يستعمل اسم الولادة والبنوة عنه فإنه لا يتكلم بالكذب مُطلقاً لأن هذا هو الحق. وتبعاً لذلك فكل معلمي أسرار الإيمان القديسين يحموا نفوسنا بكلامهم في كل مكان عن الآب والابن وعن الولادة، وبقولهم إله حق من إله حق، وإن النور ينبعث من النور حتى أن الولادة تكون غير جسمانية وبسيطة وتُفهم علي أنها منه وفيه، وأن كلاً منهما موجود بشخصه الخاص. لأن الآب هو آب وليس ابناً والابن هو المولود وليس هو آباً. وكل منهما يكون ما كان عليه، ولهما في وحدتهما نفس الطبيعة..
الابن خالق:
17.ولكنهم بعد أن أكدوا أن الآب هو خالق كل الأشياء، ما يُرى وما لا يُرى، فإنهم قالوا إن كل الأشياء قد خلقت بالابن، لا بسبب أنهم نسبوا للابن نصيباً أقل من المجد، حاشا. لأنه كيف يمكن أن يُرى ما هو أقل أو أكثر في وحدة الجوهر؟ ولكنهم يقولون إن الله الآب بطبيعته لا يخلق أو يدعو أي شيء إلى الوجود بأي طريقة أخري سوى بالابن في الروح أي بقوته الذاتية وحكمته لأنه مكتوب "بكلمة الرب تأسست السموات وبنسمة فيه كل جندها" (مز 6: 32س). ويوحنا الحكيم جداً بتأكيده بالقول "في البدء كان الكلمة والكلمة كان نحو الله وكان الكلمة الله" (يو 1: 1)، يضيف بالضرورة "كل شيء به صار وبغيره لم يصر شيء مما صار" (يو 3: 1).
التجسد والتأنس:
18.وتبعاً لذلك فبعد أن أثبت الآباء أن الابن من نفس الجوهر مع الآب ومساو له في المجد وفي العمل، كان من المفيد أن يذكّرونا بتأنسه. وأعلنوا سر التدبير بالجسد محدّدين بصواب تام أن تقليد (تسليم) الإيمان سيكون بسبب هذا كاملاً وكافياً في ذاته. فليس كافياً للذين يؤمنون به أن يوقنوا ويفكروا أن الإله وُلد من الله الآب وهو من نفس الجوهر معه ورسم أقنومه (عب 3: 1). بل كان من الضروري أن يعرفوا بالإضافة إلى ذلك أنه تنازل مخلياً نفسه من أجل خلاص الكل وحياتهم، وأخذ صورة عبد وجاء إنساناً مولوداً من امرأة (غلا 4: 4) بحسب الجسد.
19.وبسبب هذا قالوا: "الذي لأجلنا نحن البشر ولأجل خلاصنا نزل وتجسد وتأنس". لاحظوا كيف تصير هذه العبارة بنظام وترتيب مناسب جداً. وقد قالوا إنه نزل لكي نعرف بهذا أن الرب هو فوق الكل بالطبيعة وبالمجد، وأيضا نزل من أجلنا، وأنا أعني أنه كانت له الرغبة أن يأتي إلى مشابهتنا ويضئ علي العالم بالجسد لأنه مكتوب في سفر المزامير "سيأتي الله إلهنا ظاهراً ولن يصمت" (مز 3: 49س).
20.ولكن يمكن لمن يريد أن يفسر نزوله بصورة أخرى، أي كنزول من السماء أو من فوق أو من أبيه، فمن عادة الكتب المقدسة أن توضح ما يعلو علي أفكارنا بكلمات مناسبة لنا، ولذلك قال الرب حينما كان يتحدث مع التلاميذ القديسين: "" خرجت من الآب وأتيت وأيضا أترك العالم وأذهب إلى الآب" (يو 28: 16)، وأيضا "أنتم من أسفل. أما أنا فمن فوق" (يو 23: 8). وبالإضافة إلى ذلك "خرجت من الآب وأتيت" (يو 42: 8). ويوحنا الموحى إليه من الله يكتب "الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع" (يو 31: 3). ورغم أنه كائن في أعلى الأعالي وهو بحسب الجوهر فوق الكل مع أبيه إذ أنه متوج معه بوحدة الطبيعة، فهو "لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله لكنه أخلى نفسه أخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس، وإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه" (في 6: 2-8).

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العقيدة والايمان

هل عيد الميلاد 25 ديسمبر أم 7 يناير؟