أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟
أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟
لو 7 : 17-21 "وخرج هذا الخبر عنه في كل اليهودية وفي جميع الكورة المحيطة. فأخبر يوحنا تلاميذه بهذا كله. فدعا يوحنا اثنين من تلاميذه وأرسلهم الى يسوع قائلاً، أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟ فلما جاء الرجلان قالا، يوحنا المعمدان قد أرسلنا اليك قائلاً أنت الآتي أم ننتظر آخر وفي تلك الساعة شفى كثيرين من أمراض وأدواء وأرواح شريرة ووهب البصر لعميان كثيرين. فأجاب يسوع وقال لهما اذهبا واخبرا يوحنا بما رأيتما وسمعتما. ان العمي يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصم يسمعون والموتى يقومون والمساكين يبشرون. وطوبى لمن لا يعثر فيَّ".
في هذه الفرصة ايضاً، فإن الكلمة التي ستوجه اليكم والبحث في التعاليم المقدسة لا يمكن الا ان يكونا بكل تأكيد لمنفعتكم. تعالوا اذن لكي نشترك مع الملائكة القديسين في تسبيح مخلص الكل، لأنه يعبد كما في السماء، كذلك ايضاً على الأرض، وله "ستجثو كل ركبة" كما هو مكتوب (في 2 : 10). لذلك فليكن معروفاً للناس في كل مكان ان الرب هو الله، وحتى رغم انه ظهر في هيئة مماثلة لنا، الا أنه قد أعطانا الاشارات التي تدل على قوته الالهية وجلاله في مناسبات كثيرة وبطرق متعددة، وذلك بشفائه للأمراض وطرده للأرواح النجسة، وبمنحه البصر للعميان، وأخيراً حتى بطرده الموت نفسه من أجساد البشر – الموت الذي تسلط بقسوة وبدون رحمة من آدم الى موسى حسب تعبير بولس الالهي (رو 5 : 14).
قام ابن الأرملة في نايين بطريقة عجيبة وغير متوقعة، والمعجزة صارت معروفة لكل واحد في اليهودية كلها وانتشرت في كل مكان كآية الهية، وكان الاعجاب به (أي يسوع) على كل لسان. وبعض من أصدقائه الحميمين، أي تلاميذه أخبروا بها ايضاً المعمدان المبارك، فاختار المعمدان اثنين من تلاميذه وأرسلهما الى يسوع ليسألوه ان كان هو الآتي أم ينبغي ان ينتظروا غيره. ماذا فعلت أيها المعمدان الرائع! ألا تعرف ذلك الذي كرزت عنه اذ كنت أنت نفسك سابقاً لظهوره، كما تسبق نجمة الصبح وتعلن عن الشمس الآتية؟ لقد ذهبت أمامه مثل مصباح. وأنت أشرت للرسل القديسين عنه قائلاً بكل وضوح "هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم" (يو 1 : 29). وفي موضع آخر ايضاً نسمعك تقول لجموع اليهود "يأتي بعدي رجل صار قدامي لأنه كان قبلي. وأنا لم أكن أعرفه، ولكن الذي أرسلني لأعمد ذاك قال لي الذي ترى الروح القدس نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس. وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله" (يو 1 : 30 و33 و34). فكيف اذن تسأل إن كان هو الآتي؟ اذ أنك أنت قد قلت "أنا رأيت وشهدت انه ابن الله" ولكن المعمدان المبارك لم يفشل في ان يعرف كلمة الله الذي صار انساناً. لا تتصوروا هذا، فقد كان مقتنعاً تماماً وبكل وضوح أنه هو الآتي، ولكن ما فعله كان أمراً حكيماً ومخططاً تخطيطاً جيداً ومناسب بدرجة كبيرة لمنفعة تلاميذه. فلأن تلاميذ يوحنا لم يكونوا قد عرفوا المسيح بعد، اذ ان مجده وجلاله الفائق كان مخفياً عنهم، قد صدموا عندما رأوه يصنع المعجزات ويتفوق على المعمدان في عظمة الأعمال التي يقوم بها. فانهم في إحدى المرات اقتربوا من يوحنا المعمدان وهم يحملون حسداً وغيظاً في قلوبهم. وكان قلبهم لا يزال يحتاج ان يتحرر من الأمراض اليهودية، وقالوا للمعمدان المبارك عن المسيح مخلص الكل : "يا معلم هوذا الذي كان معك في عبر الأردن الذي أنت قد شهدت له، هو يعمد والجميع يأتون اليه" (يو 3 : 26). لأنكم لم يكونوا يريدون لأحد آخر ان يعمد بالمرة ويعلو على كرامة يوحنا المعمدان. ومع ذلك فقد عرفوا من يوحنا عن علو مجد المسيح وعظمة بهائه التي لا تقارن لأنهم سمعوه يجيبهم هكذا "أنتم أنفسكم تشهدون لي أني قلت لست أنا المسيح، بل اني مرسل أمامه. من له العروس فهو العريس، وأما صديق العريس الذي يقف ويسمعه فيفرح فرحاً من أجل صوت العريس. اذن فرحي هذا قد كمل ينبغي ان ذلك يزيد وأني أنا أنقص" (يو 3 : 28-30).
ومع ذلك فنحن لا نقول ان المعمدان المبارك نقص في الكرامة في الوقت الذي كان فيه مجد المسيح يزداد باستمرار من قبل أولئك الذين آمنوا به.. ولكن بسبب ان المعمدان المبارك استمر محصوراً في حدود الطبيعة البشرية – لأنه لم يكن ممكناً له أن يتقدم أكثر من هذه الحدود – أما الكلمة المتجسد اذ هو بطبيعة الله ومولود من الله الآب بطريقة تفوق الفهم، فانه كان يزداد باستمرار الى مستوى المجرد اللائق به. وكان الناس يتعجبون منه. ولهذا السبب قيل "ينبغي ان ذاك يزيد واني انا انقص". لأن من يظل في نفس حالته يبدو كأنه ينقص بالمقارنة بذلك الذي يتقدم في المجد باستمرار. ولأنه كان من الصواب ان الذي كان بالطبيعة الله ينبغي ان يتفوق في القدرة والمجد على كل ما هو بشري، لذلك شرح لهم المعمدان قائلاً "الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع، والذي من الأرض هو أرضي ومن الأرض يتكلم" (يو 3 : 31). فمن هو الذي يأتي من فوق وهو فوق الجميع لأنه هو الله؟ واضح ان المقصود هو كلمة الاب الوحيد الذي كان مماثلاً له ومساوياً له ولكنه بسبب محبته للعالم وضع نفسه ونزل الى حالتنا. لذلك اذ هو هكذا فينبغي ان يتفوق بالضرورة على ذلك الذي من الأرض والذي هو معدود كواحد من بين الأشياء التي من الأرض، وهو مثلنا في الطبيعة. هكذا كان المعمدان. فانه كان مستحقاً للمديح في فضيلته، وعظيماً جداً في تقواه، وقد وصل الى كمال كل بر، وكان مكرماً وجديراً بالاعجاب، لأن الرب شهد له قائلاً "لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان" (مت 11 : 11) ولكنه لم يكن من فوق – وأنا أعني انه ليس من الجوهر الذي يفوق الكل، بل بالحري كان من أسفل. مولود من الأرض كواحد منا.
والآن لكي نعود من هذا الاستطراد نقول لأن قلبهم لم يكن حراً من الأمراض اليهودية، فانهم يخبرون المعمدان المبارك عن المعجزات الالهية التي صنعها المخلص. وهو اذ كان يعرف من هو ذلك الذي فعل هذه المعجزات وانه ممجد بالحق في ذاته، وان مجد المخلص ينتشر في كل مكان. ولأنه يريد ان ينشئ ايماناً راسخاً به في قلوب اولئك الذين لا يزالون يعرجون ولم يكونوا مقتنعين بعد انه المسيح، لذلك فانه يتخذ مظهر الجهل ويرسل اليه تلاميذه ليسأله قائلاً "انت هو الآتي أم ننتظر آخر".
ولكن ربما يقول البعض ان هناك اناساً يفكرون اننا ينبغي ان نفهم شيئاً من هذا النوع كما يأتي : ان المعمدان كان مزمعاً ان يموت بواسطة هيرودس قبل ان يتم صلب المسيح، وكان سيسبق المسيح في موته كسابق ويصل قبله الى الهاوية، لذلك فهو يسأل ان كان سيأتي هناك ايضاً لكي يفدي الذين في الظلمة، في ظل الموت والمربوطين برباطاته. ولكن هذا الرأي ينبغي ان يرفض تماماً لأننا لا نجد في أي مكان في الكتاب الموحى به من الله ان المعمدان الالهي بشر مقدماً بمجيء المخلص للأرواح التي في الهاوية كما اننا يمكن ان نقول بحق، انه كما عرف المعمدان مرة واحدة تأثير تدبير تجسد الابن الوحيد، فانه يكون قد عرف ايضاً بالاضافة لأشياء أخرى، انه سوف يفدي اولئك الذين في الهاوية. وسوف يضيء عليهم اذ انه "يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد كما يقول بولس" (عب 2 : 9) حتى انه "يسود على الأحياء والأموات" (رو 14 : 9).
فماذا يريد ان يفهم بسؤاله : "انت هو الآتي أم ننتظر آخر؟" لقد قلت، انه يتخذ الجهل عن قصد، ليس لكي يتعلم هو – اذ انه كسابق كان قد عرف السر – وانما لكي يقتنع تلاميذه بمقدار عظمة المخلص ورفعته، وانه كما اعلن الكتاب الموحى به قبل ذلك، هو الله، وانه هو الرب الذي كان مزمعاً ان يأتي. أما كل الباقين فكانوا عبيداً ارسلوا قبل مجيء سيدهم كسابقين لذلك الذي هو فوق الكل، ومعدين طريق الرب كما هو مكتوب. لذلك فالأنبياء القديسون، يدعون المخلص ورب الكل بلقب "الآتي". لأن داود النبي يقول في أحد المزامير "مبارك الآتي باسم الرب" (مز 118 : 26) وماذا يعني تعبير "باسم الرب"؟ انه يعني بمجد الهي، وبربوبية، وبكل جلال فائق. وهذا ايضاً أوضحه مرة أخرى في الآية التي تليها اذ يقول "الرب هو الله وقد أنار لنا" (مز 118 : 27). لأن موسى قد جاء، وظهر في وقته وبواسطته أعطى الناموس للاسرائيليين، وبعده جاء يشوع بن نون الذي قاد الشعب، وبعد ذلك جاء الأنبياء المباركون على التوالي. لقد كانوا بالحقيقة أناساً قديسين ومكرمين جداً، وكانوا مشحونين ومزودين ببهاء روحي فائق. ولكن ولا واحد فيهم أنار على سكان الأرض باسم الرب، بالمجد الذي هو خاص باللاهوت والسيادة الالهية. أما كلمة الله الوحيد فقط أنار علينا لكونه في طبيعته وبالحقيقة الله والرب. وهكذا أسماه الآب بواسطة حبقوق النبي قائلاً "بعد قليل سيأتي الآتي ولا يبطئ" (حب 2 : 3 سبعينية). وأيضاً بواسطة نبي آخر يتكلم كلمة الله الوحيد قائلاً "ترنمي وافرحي يا بنت صهيون لأني ها أنذا آتي وأسكن في وسطك يقول الرب. "وتحتمي أمم كثيرة بالرب في ذلك اليوم وأنا أكون لهم الهاً وهم يكونون لي شعباً" (زك 2 : 10 و11 سبعينية). ويمكن ان نرى من الحقائق الفعلية ان هذا قد تم فعلاً لأن جماهير من الأمم قد أمسكت في الشبكة، والمسيح صار الههم وهم صاروا له شعباً.
فالمعمدان الالهي اذ قد عرف من الكتاب الموحى به اسم "الآتي" فانه أرسل بعض اصدقائه ليسأل : ان كان هو الآتي..؟ والمسيح اذ بالطبيعة وبالحق هو الله لم يخف عنه غرض يوحنا المعمدان، واذ عرف سبب مجيء تلاميذ يوحنا فانه بدأ في ذلك الوقت خاصة بعمل معجزات الهية أكثر بكثير مما كان قد فعلها قبل ذلك. فهكذا أخبرنا الانجيل الحكيم قائلاً "وفي تلك الساعة شفى كثيرين من أمراض وأدواء وأرواح شريرة ووهب البصر لعميان كثيرين. واذ قد صاروا مشاهدين وشهود لعظمته، فقد صار لهم اعجاب عظيم بقوته وامكانياته. وعندئذ قدموا السؤال متوسلين باسم يوحنا بأن يرد عليهم ان كان هو الآتي. وهنا أرجو ان تلاحظوا الطريقة الجميلة في معاملة المخلص. لأنه لا يقول ببساطة أنا هو، رغم انه لو قال هذا لكان صحيحاً، ولكنه بالحري يقودهم الى البرهان المعطى عن طريق الأعمال نفسها حتى اذا قبلوا الايمان به على أساس جيد، ويكونون قد تزودوا بالمعرفة مما قد حدث أمامهم، فانهم يمكن ان يرجعوا الى ذلك الذي أرسلهم. اذ قال لهم الرب اذهبا واخبرا يوحنا بما رأيتما وسمعتما. لأنكم قد سمعتم حقاً اني قد أقمت الموتى بكلمة مملوءة قوة وبلمسة اليد، كما أنكم رأيتم ايضاً وانتم واقفون ان تلك الاشياء التي تكلم عنها الانبياء القديسون منذ القديم تتحقق : "فالعمي يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصم يسمعون، والموتى يقومون والمساكين يبشرون".
تعليقات