إستحالة التحريف

إستحالة التحريف
إنجيلكم مُحرف، هكذا يقول المُدعي.  لكن هل يمكن ان يثبت المُدعي هذا الادعاء منطقياً وتاريخياً  بالادلة؟  ام انه مجرد إدعاء ناتج عن عدم الفهم الصحيح ولا يوجد دليل واحد يمكن ان يقدمه ليبرهن به على ان الكتاب المقدس قد حُرف؟  اريد هنا بأختصار اجيب على بعض الاسئلة المتعلقة بالادعاء ان الكتاب المقدس محرف.  
السؤال الأول الذي يحتاج إلى إجابة واضحة هو "من الذى حرف الكتاب المقدس؟"  هل حرفه اليهود ام المسيحين؟  فإذا كان قد حرف، كما يدعون، فلابد لهذا الفعل من فاعل؟  فمن هو الفاعل؟  من الذى امتدت يده الى الكتاب المقدس عن قصد ام غير قصد فقام بتحريفه؟  هل حرف اليهود كتابهم والمسيحين حرفوا كتابهم أم اتفقوا وحرفوا الكتابين؟  اعتقد الاجابة على هذا السؤال مهمة جداً.  ولهذا فسوف احاول ان اذهب الى المتهمين الاساسيان لعملية التحرف وهما اليهود والمسيحين واحاول ان اصل إلى إجابة واضحة من كل منهما  عن من قام بتحريف الكتاب المقدس،  مع ان الرب قال "السماء والارص تزولان ولكن كلامي لا يزول" (متى 24: 35).

اليهود
إضافة الى ما نعرفه عن دقة اليهود في التعامل من النص الكتابي وخوفهم الشديد من التعرض لقضاء الله إذا حدث خطأ ما في كتابة التوراة والاسلوب الى كانوا ومازالوا يتبعونه في نسخ المخطوطات حتى يضمنوا سلامتها.  السؤال المنطقي هو لماذا يحرف اليهود الكتاب المقدس؟  بأي غرض او قصد ؟  ما الذى في الكتاب المقدس من إشياء تجعلهم يفكرون بحسب الادعاء ان يحرفوا الكتاب المقدس؟  قبل ان اجيب على هذ الاسئلة اريد عزيزي القارئ ان تفكر معي في مضمون النسخة التى حرفها اليهود، ما هو مضمونها ومحتواها، وما هي الاشياء التى حذفوها منها لتتناسب مع رغباتهم وتطلعاتهم.  فمثلاً:

• النسخة الجديد سوف تكون خالية من اى فعل او قول مخزي قام به قادتهم وملوكهم وانبيائهم؟  بمعنى انهم سوف يظهرون إبراهيم واسحق ويعقوب وموسى وداود...الخ بدون عيوب او ضعفات او اخطاء.  فهل هذا فعلا ما تم؟  بالتأكيد لا ، فالعهد القديم مازال يتحدث عن سكر وعري نوح وكذب أبيهم إبراهيم ومكر وخداع يعقوب، وغضب موسى وخطيته وخطيئة داود الذى زنى وقتل، كذلك انحراف سليمان وبعده عن الرب في اخر ايامه وهروب أيليا وطلبه للموت وهروب يونان نبي الرب...الخ. 

• النسخة الجديد سوف تظهر اليهود على انهم افضل من كل الامم، الشعب المطيع للرب والحافظ لوصاياه.  واحدة من الدوافع التى تدفع الانسان للكذب هي الرغبة في تحسين صورته.  فهل صورة اليهود في الكتاب المقدس صورة جيدة؟  بالتأكيد لا، الصورة التى يرسمها العهد القديم عنهم صورة تمتلئ بالتشوهات، تشوهات الخطية والاثم والتمرد والحيدان عن الرب الإله.  فأكثر الشعوب التى وصفها الرب بأنهم قساة الرقاب ومتمردين وغير شاكرين هم اليهود.  فبمجرد خروجهم من أرض العبودية من مصر تذمروا على الرب "فَتَذَمَّرَ كُلُّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ فِي الْبَرِّيَّةِ..." (خروج 16: 2 و 3).  كما ان شعب إسرائيل انحرف سريعا وترك عبادة الرب الحقيقي ليعبد الاوثان "فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى انهم "زَاغُوا سَرِيعًا عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي أَوْصَيْتُهُمْ بِهِ. صَنَعُوا لَهُمْ عِجْلاً مَسْبُوكًا، وَسَجَدُوا لَهُ» (خروج 32: 7 و 8).  ولهذا نجد نصوص كثيرة في العهد القديم تتحدث عن الويلات التى تعهد بها الله شعبه المتمرد.  «وَإِنْ كُنْتُمْ بِذلِكَ لاَ تَسْمَعُونَ لِي بَلْ سَلَكْتُمْ مَعِي بِالْخِلاَفِ، فَأَنَا أَسْلُكُ مَعَكُمْ بِالْخِلاَفِ سَاخِطًا، وَأُؤَدِّبُكُمْ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ حَسَبَ خَطَايَاكُمْ، فَتَأْكُلُونَ لَحْمَ بَنِيكُمْ، وَلَحْمَ بَنَاتِكُمْ تَأْكُلُونَ..." (لاويين 26: 27 -34).  كما يصفهم الرب في سفر إشعياء فيقول "... وَيْلٌ لِلأُمَّةِ الْخَاطِئَةِ، الشَّعْبِ الثَّقِيلِ الإِثْمِ، نَسْلِ فَاعِلِي الشَّرِّ، أَوْلاَدِ مُفْسِدِينَ! تَرَكُوا الرَّبَّ، اسْتَهَانُوا بِقُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ، ارْتَدُّوا إِلَى وَرَاءٍ. عَلَى مَ تُضْرَبُونَ بَعْدُ؟ تَزْدَادُونَ زَيَغَانًا! كُلُّ الرَّأْسِ مَرِيضٌ، وَكُلُّ الْقَلْبِ سَقِيمٌ" (1: 2- 7).  

• النسخة الجديدة سوف تخلو من اى نبؤات عن الرب يسوع.  فعداء اليهود للمسيح عداء بدأ منذ ان دخل المسيح، كلمة الله ،الى عالمنا بالتجسد، فها هو هيرودس يقتل كل اطفال بيت لحم حتى يتخلص من المسيح.  حتى عندما بدأ المسيح خدمته الارضية كان اليهود يعادونه ويتربصون به ليلاً نهاراً، إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله.  فهم الذين سلموه وحكموا عليه بالصلب والموت.  هذا العداء مستمر إلى يومنا هذا وهو سبب كافي يجعل اليهود يتخلصون من كل النبوات التى تتحدث عنه في كتابهم ولكنهم لم يحذفوا حرفاً واحداً منها.  الم يكن باستطاعة اليهود ان يحذفوا نبؤات مباشرة عن الرب يسوع من كتابهم، لكننا ما زلنا نجد كل النبوات كما هي، نبوات تتحدث عن طبيعته و ميلاده العذراوي وخدمته وصلبه وموته وكذلك قيامته...الخ.  
لكن لان اليهود يعتبرون العهد القديم رسالة حب من الله ولهذا فلا يمكن ان تمتد اليه ايديهم بالتحريف.  فهم يعشقون كل سفر وكل أية وكل كلمة وكل حرف من العهد القديم. 

المسيحين 
من الامور المسلم بها هي استحالة ان يكون المسيحين قد قاموا بتحريف العهد القديم وذلك لعدة اسباب منها. 

• تقديس اليهود للعهد القديم ككلمة الله وتربص اليهود للمسيحين.  
• وجود عدد هائل من المخطوطات في المجامع اليهودية المنتشرة في مناطق كثيرة من العالم.
• وجود الترجمة السبعينية  LXX، وهي ترجمة العهد القديم إلى اللغة اليونانية سنة 285 ق.م 
• اعتبرت الكنيسة الاولى منذ نشأتها يوم الخمسين ان العهد القديم هو الكتاب المقدس، الموحى به من الله (تيموثاوس الثانية 3: 16) ولهذا إحتل العهد القديم مكان الصدارة في تعاليم الرسل.  
• التوافق الكامل بين العهد القديم والجديد، فالعهد القديم متضمن الجديد والجديد محقق للقديم.  فعدد النبؤات التى تتحدث عن شخص المسيح في العهد القديم تتجاوز 300 نبؤة وإشارة مباشرة وغير مباشرة.  
• على الرغم من وجود إختلافات عقائدية بين الطوائف المسيحية إلا انها اتفقت واجمعت على صحة الكتاب المقدس.  
• كذلك من الغير معقول ان يحرف المسيحين العهد الجديد الذى انتشرت مخطوطاته في القارات الثلاث وترجم الى عدة لغات واقتبس منه أباء الكنيسة كل العهد الجديد ما عدا 11 اية فقط.  
أسئلة تبحث عن إجابات
1) متى تم التجريف وفي اى عصر؟
2) كيف أمكن جمع كل النسخ من جميع بلاد وقارات العالم؟
3) هل تم تحريف كل النسخ وإعادتها لاصحابها أم تم إعدامها ونشر الجديد عوضا عنها؟
4) هل يعقل ان لا تنجو نسخة واحدة من هذه النسخ القديمة؟  
5) اين تم التحريف؟ في اى مكان وتحت اشراف من؟ ومعروف أن الكتاب المقدس قد انتشر في كل بلاد العالم، في أسيا وأوروبا وافريقيا ووصل إلى كل مكان حتى الهند.
6) في أى لغة حُرف الكتاب؟  في العربي ، اليوناني ، العبري، اللاتيني، السرياني أم القبطي؟ 
7) هل يعقل ان يصمت كل اليهود والمسيحين الامناء دون ادنى مقاومة؟
8) تري من قام بتحريف مخطوطات البحر الميت (قمران) والتى يرجع تاريخها إلى القرن الثالث قبل الميلاد؟  
9) كيف انتصرت المسيحية بكتاب مزيف؟ الم يكن هذا الكتاب هو الذى استخدمه الرسل والاباء ككلمة الله لتغير العالم؟

على المدعي ان يأتي بدليل أو برهان 

بما ان الكتاب المقدس سابق في وجوده عن القرأن باكثر من 600 سنة فعلى القرأن ان يثبت مصداقيته وعدم تحريفه وليس الكتاب المقدس.  نعم أن المشكلة هي مشكلة القرأن وليس الكتاب المقدس، بمعنى على القرأن ان يثبت لنا انه غير محرف؟  على الاقل الكتاب المقدس كتبه انبياء ورسل كانوا شهود عيان، اما القرأن ورسول الاسلام فلم يكن من ضمن شهود العيان، فهو لم يعش في ذلك الزمان الذى كتب فيه الكتاب المقدس ولم يكن معاصراً لاحداثه، ولم يعش في نفس المكان ولهذا فحتى معرفتة للجغرافيا معرفة نظرية فقط.  ان الرويات القرأنة المختلفة عن روايات الكتاب المقدس تحتاج ان يبرهن لنا المسلم اليوم بالبرهان والدليل انها صحيحة؟  فالنفترض انى كتبت اليوم (سنة 2019) كتاب عن الحملة الفرنسية على مصر (1789 – 1801 ميلادية) وحمل هذا الكتاب روايات مخالفة ومتناقضة عن الروايات التى كتبها شهود العيان في ذلك الوقت، فأي من الكتابين يكون صادق وحق؟  وايهما يكون محرف؟  يقول المنطق ان كتاب شهود العيان اصدق من الكتاب الذى كتبة انا، وعلى انا ككاتب ان اثبت ان روايتي غير محرفة وليس العكس. 

 أول من اتهم الكتاب المقدس بالتحريف كان ابن حزم  سنة 1064م.  هذا الاتهام وجة للمسيحية دفاعاً عن الاسلام والقرأن بالاخص بعدما قام ابن حزم بعمل مقارنة بين الكتاب المقدس والقرأن واكتشف ان هناك اختلافات وتناقضات كثيرة بينها.  من منطلق ايمانه بأن القرأن هو الاعلان النهانئ لله ولهذا فلابد ان يكون صادقاً ومصصحاً لكل ما جاء قبلة وجه ابن حزم اتهام التحريف للكتاب المقدس.  ببساطة منطق ابن حزم يتلخص في الاتي: اذا اختلف نص كتابي مع نص قرأني يكون الكتاب المقدس قد حرف والنص القرأني هو الصادق. فالكتاب المقدس يقول ان المسيح قد صلب ، اما النص القرأني فيقول لم يصلب ، إذا وبدون اى براهين وادلة يكون الكتاب المقدس مُحرف والقرأن هو الصحيح.  هذا الادعاء غير مؤسس على اى دليل او برهان تاريخي او حتى منطقي واحد.  الدافع الوحيد هو الدفاع عن القرأن وصحته حتى لو كان بإدعاء باطل وكاذب.  هذا الادعاء دفع ابن حزم ان يقول بأن الانجيل الحقيقي الذى نزل على المسيح قد فقد؟  طبعا هو لا يفهم معنى الانجيل ولا يقدم اى دليل مقنع على صدق ادعائه.  

(د. ق. اشرف عزمي، المسيح من هو؟ النسخة المختصرة)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العقيدة والايمان

كورونا الشهيدة