لم هذا الدمار؟! لم هذا الخراب؟! لم هذه المأساة؟

لم هذا الدمار؟! لم هذا الخراب؟! لم هذه المأساة؟!.....
أين أنت في خضم ثورة الكراهية والعنف هذه؟!.. أين أنت؟! أنائما في عليائك السماوي كما كان الحال في السفينة وسط العاصفة؟! لم لا تنهض لتوقف ثورة بحر العنف والكراهية فتعيد الهدوء إلى هذه الأرض؟!
هزّ يسوع رأسه ونظر إلى الأفق مرددا بصوت خافت: نعم.. لماذا؟! لماذا هذا الدمار؟! لماذا تلك الوحشية؟..
أتظنون أنني أنا الذي وراء هذه الأحداث؟!
أتظنون أنني أحرك البشر كما يحرك الفنان عرائسه؟!
أتظنون أنني أتحكم بالتاريخ وأوجهه كما يحلو لي لأحقق خطة مرسومة منذ الأزل؟!

ألست أنت ضابط الكل؟! لماذا لا تضبط هذا الكون؟!!

نعم أنا ضابط الكل.. ولكن ألم تفهموا أنني إستودعتكم هذا العالم لتكتبوا أنتم صفحات تاريخه وتوجهوا دفة مصيره؟! ألم تفهموا تلك الحرية التي وهبتكم إياها قد تدفعكم إلى البناء أو الهدم، إلى الحب أو الكراهية، إلى الخير أو الشر، إلى الأفضل أو الأسوأ... حسبما ترتأون وتقررون أنتم بأنفسكم؟!!

إن تلك الحرية هي عنوان عظمتكم وكرامتكم وأروع ما تملكونه؛ فهي التي تجعلكم بشر لا آلات غشيمة!! أو حيوانات عجماوات!! وهي التي تتيح لكم فرصة إختيار مساركم ومصيركم..

عندما خلقتكم أحرارا قبلت بملء إرادتي أن أقيد ذاتي بذاتي.. فأصبحت يداي مغلولتين وأنا أعلم علم اليقين أن تلك الخطوة هي سلاح ذو حدين يثير الرعب والرهبة... وفي الوقت نفسه قد تؤدي تلك الحرية إلى إنفلات الأمور بعيدا عن مشيئتي التي أردتها لكم... فتؤول إلى إخفاق ذريع.. وخير دليل على ذلك تلك البقعة من الأرض التي كانت يوما ما تضج بالحياة والحيوية، ثم تحولت إلى خراب ودمار...

نعم، لماذا لم أتدخل؟ لأني كبلت يداي عن التدخل لما خلقتكم أحرارا، ومنذ تلك اللحظة أصبح هذا العالم عالمكم وهذا التاريخ تاريخكم...
ولكني في الوقت نفسه ارتبطت بهذا التاريخ وانغمست فيه.. تسألونني لم أنا صامتا وأنا أرى الناس يتقاتلون ويتصارعون، وأنا أرى أولادي وبناتي يُقتلون ويشردون ويضطهدون..
تُرى هل أنا فعلا على عرشي السماوي محاطا بملائكتي وحاشيتي كما يظن الكثيرون؟! ولا أبالي!!

على العكس تماما... أنا في صميم المعركة.. وسط هذه القرى التي دمرتها القذائف، صارخا بين ضلوع الأطفال المتشبثين بجثث أمهاتهم، شاعرا بالذل والعار في قلب الفتاة التي إنتهك عرضها كتيبة كاملة من الجند!! ممزقا في جسد ذلك البرئ الذي قُطعت رأسه وتبعثرت أشلاؤه...

إني قلبي ينفطر حزنا وألما وأنا أرى البشر وقد تحولوا إلى وحوش يأكلون بعضهم البعض، ولكني في ذات الوقت لم أكف لحظة واحدة عن إنذاركم وتحذيركم.. واللذين سمعوا صوتي نجوا نفسوهم من هذا الخراب.. وحتى الذين إستشهدوا منهم بسبب تمسكهم بإسمي.. أعددت لهم مالم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر...

ولكني حزين على البقية التي هلكت.. سواء هنا على الأرض لأنها لم تسمع صوتي، وأنكرتني... أو التي تبعت ذلك الدجال الذي أمر أتباعه بهذا الخراب!

في محاكمتي أسلمت نفسي بين يدي البشر، عرتني وجلدتني كتيبة من الجند، صلبت بين لصين على الجلجثة، عاجزا، معذبا، منبوذا، منعدم القوة، صرت لعنة من أجلكم.. لقد مررت بكل ما تمرون به الآن وأنا أدركه وأشعر به جيدا... وحتى الآن ماتزال هذه حالتي وسأظل عليها إلى اليوم الأخير، مادام يوجد على هذه الأرض إنسانٌ واحد جائع أو عطشان أو معذب أو متألم أو صارخ أو محتضر!

لقد أدرك رسولي بولس هذه الحقيقة فقال {وَأُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمَسِيحِ فِي جِسْمِي} فكل ألم تتألمونه هو تكميل لآلامي.. إن مخاطرتكم هي مخاطرتي.. ومصيركم هو مصيري، وجهادكم هو جهادي، وصراعكم هو صراعي، وعذابكم هو عذابي، واحتضاركم هو إحتضاري، وموتكم هو موتي...
إن هذا الجسد الممزق أمامكم هو جسدي المكسور لأجلكم وسيظل مكسورا حتى آخر يوم في التاريخ!!!

منقول بتصرف عن مقال للأب هنري بولاد اليسوعي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العقيدة والايمان

كورونا الشهيدة